(             قلم أبيض          ) وأنا بالصف الثاني ابتدائي، سمعت حوارًا دائرًا بين الأقلام الخشبية الملونة الموجودة داخل علبة الرسم التي تخصني والموضوعة على طاولتي.كان كل لون يفتخر ويتباهى بجماله ودوره بالرسم والنقش والتحديد والتلوين،ما عدا القلم الأبيض، كان ملتزمًا الصمتكالأيتام على مائدة اللئام.غالبية الأقلام تنظر إليه بازدراء وسخرية، أو على الأقل بلا مبالاة. ويتعبرونه مختلفًا…

Written by

×

قلم أبيض//بقلم المبدع نظير راجي الحاج

(             قلم أبيض          )


وأنا بالصف الثاني ابتدائي، سمعت حوارًا دائرًا بين الأقلام الخشبية الملونة الموجودة داخل علبة الرسم التي تخصني والموضوعة على طاولتي.
كان كل لون يفتخر ويتباهى بجماله ودوره بالرسم والنقش والتحديد والتلوين،ما عدا القلم الأبيض، كان ملتزمًا الصمت
كالأيتام على مائدة اللئام.
غالبية الأقلام تنظر إليه بازدراء وسخرية، أو على الأقل بلا مبالاة. ويتعبرونه مختلفًا متفردًا  ناشزًا وبلا بريق.
سحبتُ  القلم الأبيض، وتأملته، ولا أدري لماذا تسللت دمعة مني عليه، تخيلته يَئنُّ بصمت، ورأيته في هذه اللحظة كوجه يوسف وحيدًا في غياهب الظلمة،تخلت الأقلام عنه، مثل تخلي أخوته عنه، أو مثل عصا موسى أمام أفاعي  السحرة
أو عود زعتر من فلسطين ،منتصبًا وحيدًا على جبل الكرمل ثم رأيته عمود خيمة لجوء، أصحابها كأنهم جاؤوا زيادة في التاريخ، ولم تعد تسعهم الأرض، ونبذتهم خطوط الطول والعرض.

في أحد دروس الرسم، دخل معلم الفن، وخاطبنا قائلًا:_
اَخرجوا الأقلام والكراريس، المطلوب من كل واحد منكم أن يرسم صورة أمه، وحمي الوطيس.
أخذ الكل يرسم والدته، إلا أنا، لا أعرف وجهها، ماتت وأنا رضيع، كنت دومًا أتخيل أمي مثل وجوه أمهات الشهداء والأسرى.
لم أرسم شيئا، كان أشد ما يؤلمني، أن يعتقد البعض أني لا أحب أمي، ولهذا لا أريد رسمها!
نظرت من نافذة الصف، سبحان الله، في تلك اللحظة، رأيت قوس قزح في الأفق، تخيلت أمي تتمرجح عليه، وبيدها تعتصر خمرة الأصيل، وتحني خدودها من حمرته.
بسرعة أخرجت أقلام لون قزح، ورسمت القوس على صفحة كُراسّتي، ثم رسمت السماء المعتمة بالقلم الأسود، وأخيرًا أخرجت القلم الأبيض الذي ما تخليت عنه أبدًا، لأنه هو الصادق النقي التقي، الذي ما تلون مثل السياسيين، فلم يلون ويلوي عنق الحقائق، ولم يزيّفها.
رسمت بهذا القلم قلبها الأبيض بالعتمة داخل القوس،  وعندما شاهد المعلم لوحتي
سألني:اين صورة أمك؟ أجبت:أو تسأل يا سيدي!
أشرت إلى القلب، حضنني وقال:_
أصبت يا ولدي.


نظير راجي الحاج

أضف تعليق

تصميم موقع كهذا باستخدام ووردبريس.كوم
ابدأ