مقال تحت عنوان :- “وجوه المدينة: حكايات من الأرصفة المهملة “ على أرصفة المدينة، حيث يلتقي الزمن بالخطوات العابرة، تُكتب حكايات لا تُرى بالعين المجردة، لكنها تُشعَرُ بالقلب. تلك الأرصفة التي طالما اعتبرناها مجرد مساحات إسمنتية تقودنا إلى وجهاتنا، تحمل في تشققاتها قصصًا عتيقة وصورًا لحيوات صامتة. في الصباح الباكر، عندما تشرق الشمس على المدينة…

Written by

×

وجوه المدينة//بقلم المبدع الكاتب والروائي احمد عز الدين احمد

مقال تحت عنوان :-

“وجوه المدينة: حكايات من الأرصفة المهملة “

على أرصفة المدينة، حيث يلتقي الزمن بالخطوات العابرة، تُكتب حكايات لا تُرى بالعين المجردة، لكنها تُشعَرُ بالقلب. تلك الأرصفة التي طالما اعتبرناها مجرد مساحات إسمنتية تقودنا إلى وجهاتنا، تحمل في تشققاتها قصصًا عتيقة وصورًا لحيوات صامتة.

في الصباح الباكر، عندما تشرق الشمس على المدينة النائمة، تبدأ الأرصفة بفتح أعينها. تمرّ أولى الخطوات، متثاقلة ومثقلة بالنعاس، كأنها تبحث عن معنى جديد ليومها. هنا بائع الجرائد، بصوته المبحوح، يعلن عن أخبار العالم؛ وهناك عجوز تجلس على حافة الرصيف، تراقب الحياة وكأنها مشهد مسرحي لا تنتهي فصوله.

على زاوية مهملة، توجد تلك الحكايات التي قلّما تُروى. صبي صغير يبيع الورود، بوجه مشرق رغم شقاءه، يمد يده لكل عابر ويبتسم؛ كأنما يحمل العالم بأكمله في عينيه. ليس بعيدًا عنه، تجلس امرأة تغزل أحلامها بصمت، تبيع الإكسسوار اليدوية التي تنسجها ليلاً تحت ضوء خافت، تحلم بمستقبل مختلف عن الحاضر الذي يحدها.

أما في المساء، عندما تسدل الشمس ستارها، تتحول الأرصفة إلى لوحات رمادية يغمرها ضوء المصابيح الصفراء. المتشردون يبحثون عن زاوية دافئة، بينما يتجول العشاق بين ظلال الأشجار الهامسة، يسرقون لحظات من زمن يبدو وكأنه يطاردهم. في هذا الوقت، تصبح الأرصفة شاهدة على أسرار لا تُفشى، ودموع لا تُرى، وأحلام تُسرد للهواء.

لكن، وسط هذا الصخب الصامت، هناك الأرصفة المهملة، تلك التي تئن تحت وطأة الإهمال. حجارتها متآكلة، نباتات برية تشق طريقها بينها، كأنها تعلن عن رفضها للزوال. هنا، تتوارى الأرواح التي اختارت أن تعيش خارج دائرة الضوء، تتحدث إلى الصمت، وتجد في الزوايا ما لم تجده في رحابة العالم.
الأرصفة ليست مجرد طرق نعبرها؛ إنها قصص تُكتب يوميًا. كل خطوة تُضيف فصلًا جديدًا، وكل نظرة عابرة تحمل معنى لا يُدركه إلا من يتأمل. في وجوه المدينة، تكمن الأرصفة كألبوم صور قديم، يحمل في طياته وجوهًا لم تُذكر في كتب التاريخ، لكنها شكلت نسيج الحياة.

فهل سمعتم يومًا صوت الأرصفة؟ وهل
انتبهتم لحكاياتها المهملة؟ ربما حان الوقت لننظر أسفل أقدامنا، حيث يبدأ التاريخ الصامت.

وفي النهاية، تبقى الأرصفة أكثر من مجرد حجارة صامتة تحت أقدامنا؛ إنها ذاكرة المدينة التي لا تنسى، ومرآة تعكس وجوهنا المتعَبة وأرواحنا الحائرة. إنها شاهد على أحلام ولدت ولم تكتمل، وعلى خطوات عبرت ولم تعد. كل ركن مهمل، وكل شق صغير يحمل سرًا، حكاية، أو ربما دعوة للتأمل في عمق الأشياء التي نمر بها دون أن نلتفت.

لعل الأرصفة المهملة تعلمنا درسًا بسيطًا: الجمال الحقيقي قد يكون مختبئًا في التفاصيل الصغيرة التي اعتدنا تجاهلها. وربما، فقط ربما، عندما نتوقف للحظة وننصت لحكايات الأرصفة، سنجد أنفسنا في صمتها، ونكتشف أن المدينة لم تكن يومًا مجرد مكان… بل حياة نابضة تنتظر أن تُفهم.

بقلم / احمد عزيز الدين احمد
كاتب وروائي وشاعر

أضف تعليق

تصميم موقع كهذا باستخدام ووردبريس.كوم
ابدأ