المقال السابع والخمسون من سلسلة نهضة الأمة”دور العلماء الربانيين في إعادة تشكيل وجدان الأمة “
مقدمة
تمرُّ الأمة الإسلامية اليوم بحالة من التشويش الوجداني والاضطراب الفكري، نتيجة تراكمات طويلة من الهزائم المعنوية، والغزو الثقافي، وتزييف الوعي، وتهميش العلماء والدعاة الحقيقيين. وفي ظل هذا الواقع لا يمكن لنهضة أن تقوم، ولا لوعي أن يتجدد، دون عودة الدور المحوري للعالِم الرّباني؛ ذلك الإنسان الذي جمع بين صفاء العقيدة، وعمق العلم، ونقاء القلب، وحكمة الدعوة.
العلماء هم قلب الأمة النابض، وهم بوصلة الاتجاه ومصابيح الهدى، وإذا أُطفئت هذه المصابيح ضاعت الطريق، وتبدّل الوجدان، وارتفع صوت الجهل على صوت الحق.
إن نهضة الأمة تبدأ من إعادة تشكيل وجدانها، ولا يقوم بهذا الدور إلا العلماء الرّبانيون.
أولًا: من هو العالِم الرباني؟:
العالِم الرباني ليس كثير المعلومات فقط، بل هو:
الراسخ في العلم الذي يتعلم ويُعلّم، ويتدرّج بالناس.
صاحب القلب المخلص الذي لا يبتغي بعلمه دنيا ولا جاهًا.
المربّي الحاني الذي يصنع العقول ويهذّب النفوس.
القدوة العملية التي تقود بالخلق قبل القول.
وكما قال ابن عباس رضي الله عنهما:
“كونوا ربانيين: حكماء علماء حلماء.”
ثانيًا: دور العلماء في بناء الوجدان الإيماني للأمة:
الوجدان هو مخزن المشاعر والقيم، وهو المحرك العميق للسلوك. والعلماء هم الذين يعيدون تشكيل هذا الوجدان عبر:
- إحياء معاني الإيمان العميقة
عبر ربط الناس بالله، وإحياء معاني التوكل، والصبر، واليقين، والرضا، والرجاء.- ترسيخ الهوية الإسلامية
في زمن الذوبان الحضاري، العلماء يثبتون الهوية ويجذرونها في النفوس عبر القرآن والسنة والتاريخ.- تجديد روح الجهاد الحضاري
الجهاد بمعناه الشامل: جهاد النفس، جهاد العلم، جهاد البناء، جهاد الصبر، وجهاد مقاومة الظلم والاحتلال.- إيقاظ الضمير الأخلاقي
الأمة تنهض بضمير حيّ، والعالم الرباني هو الطبيب الذي يعالج قسوة القلب وانحراف السلوك.
ثالثًا: العلماء هم صانعو المعنى في حياة الأمة:
نهضة الأمة لا تحتاج إلى قوانين فقط، بل إلى معانٍ تُلهب الروح وتُحيي الوعي.
والعلماء الربانيون هم الذين:
يعطون للناس مقاصد وجودهم.
يربطون الواقع بالنصوص ربطًا صحيحًا.
يحولون الفكرة إلى شعور، والشعور إلى حركة، والحركة إلى نهضة.
ولهذا قال الإمام مالك:
“لا يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها.”
وهذا الصلاح كان نابعًا من علماء ربانيين صاغوا وجدان الأمة الأولى.
رابعًا: لماذا غاب دور العلماء في العقود الأخيرة؟:
- هيمنة الثقافة المادية والإعلام السطحي.
- تقييد العلماء الأحرار ومحاصرتهم.
- ظهور “مشاهير” بلا علم يملأون الفراغ.
- ضعف المؤسسات العلمية والدعوية.
- تهميش الخطاب التربوي العميق لحساب الخطاب الاستهلاكي السريع.
وبغياب العلماء الربانيين، تفكك وجدان الأمة، وضعفت حصانتها، وتشتت بوصلة وعيها.
خامسًا: كيف يسهم العلماء في إعادة تشكيل وجدان الأمة؟:
- بناء مشروع دعوي تربوي شامل
يعيد للقرآن مركزية القيادة، وللسنة نور الهداية.- إحياء المجالس العلمية
فهي مصانع للرجال، وورش للوعي، ومختبرات لإعادة تشكيل العقل المسلم.- حضور العلماء في قضايا الأمة الكبرى
لا يجوز للعالم الرباني أن ينفصل عن آلام الأمة، بل يكون:
صوتًا للمظلوم.
سندًا للمقاومة.
محركًا لوعي الشعوب.
قائدًا للنهضة.- تقديم القدوة العملية
ليس بالكلام وحده، بل بالسلوك، والتواضع، والزهد، والإنصاف.- التواصل مع الشباب
الشباب هم طاقة الأمة ومشتل نهضتها، ولا بد من عالم يفتح لهم قلبه قبل عقله.- إعادة صياغة الخطاب الديني
خطاب يربي، لا يخوّف؛ يبني، لا يهدم؛ يفتح العقول، لا يكممها.
سادسًا: العلماء الربانيون وقود النهضة القادمة:
إن أعظم ما تحتاجه الأمة اليوم ليس عددًا ضخمًا من الخطب، بل رجالًا من نوعٍ خاص.
رجال إذا نظر الناس إليهم ذكّروا بالله، وإذا تكلموا فتحوا مغاليق القلوب، وإذا تحركوا أنبتوا في الأمة روح العزة والكرامة.
إن النهضة الحقيقية ليست نهضة مؤسسات فحسب، بل نهضة قلوب، تصنعها كلمات عالم رباني صادق.
العلماء هم الذين:
يزرعون الثبات.
يوقظون الوعي.
يشعلون الأمل.
ويعيدون للأمة ثقتها بنفسها ورسالتها.
خاتمة:
إن عودة العلماء الربانيين إلى صدر المشهد ليست ترفًا فكريًا، بل ضرورة وجودية. فالأمة بلا علماء كالسفينة بلا ربان، وكالجسد بلا قلب.
وعندما يستعيد العلماء مكانتهم، وتستعيد الأمة ثقتها بهم، سيولد وعي جديد، ويتشكل وجدان جديد، وتبدأ مسيرة نهضة حقيقية تعيد للأمة وجهها الحضاري المشرق.
ولن تنهض الأمة إلا بعلماء ربانيين، ودعاة مصلحين، ومربين صادقين يحملون شعلة الطريق، ويعيدون تشكيل وجدان الأمة من جديد.
اللهم فرج كرب أهلنا في السودان وغزة يارب العالمين ،ووسع عليهم في ارزاقهم
يا كريم.
دعوة تربية نهضة الأمة .
الدكتور عيد كامل حافظ النوقي.
أضف تعليق