سلة المهملات
كان ذلك في مساءٍ باردٍ من شتاء عمّان،
جلس سالم غنيم في غرفته الصغيرة بحيّ المهاجرين،
أمامه أوراق مبعثرة،
وقلمٌ فقد صبره،
وقلبٌ أثقله الزمن.
كتب صفحة…
ثم مزّقها.
كتب ثانية…
ثم رماها في سلة المهملات.
كتب ثالثة…
ثم همس:
كفى يا سالم…
مين رح يقرأ هالحكي؟
مين رح يسمع وجع حيّ المهاجرين؟
مين رح يهتم بحكايتي عن اللد،
عن أم سليم،
عن سميرة الضايعة؟
يمكن وصلت لهون…
وخلاص.
وانحنى على الطاولة،
يشعر لأول مرة أن الكلمات خانته.
في تلك اللحظة،
دخلت زوجته – أم رامي –
المرأة التي كانت تقرأ حزنه قبل أن ينطق.
نظرت إليه،
ثم إلى الأوراق الممزقة،
فابتسمت ابتسامة صغيرة فيها عناد الدنيا.
قالت له:
سالم…
إنت اللي علمتنا إنو الحكاية ما بتموت.
يعني رح تموت اليوم بس لأنّك تعبت شوي؟
لم ينتظر ردًا.
مدّت يدها إلى سلة القمامة،
وأخرجت الأوراق الممزقة واحدةً واحدة،
جمعَتها كمن يجمع بقايا قلبٍ سقط على الأرض.
ثم قالت:
رح أكمّل عنك…
ورقك هذا رح أودّيه لناس بتفهم شو يعني حكاية.
وإذا إنت ما بدك تحارب…
اسمح لي أحارب عنك شوي.
لم يُجادلها.
كان داخله صوت يقول:
يمكن هي أصدق من اليأس اللي جوّاتي.
وبعد أسبوعين،
رنّ هاتف المنزل.
دار نشر صغيرة في عمّان قرأت ما كتب،
وقالت:
نريد أن نرى هذا الكاتب…
نريد أن نسمع حكايته.
كانت اللحظة الأولى التي عاد فيها الأمل،
لحظة فهم فيها سالم أن الإنسان لا ينهزم…
طالما بقي في حياته شخصٌ واحد
ينحني على سلة المهملات
ليلتقط ما ظنّه هو “سقوطًا”،
لكنّه في الحقيقة بداية نهضة.
بعد سنوات…
صار سالم غنيم حكواتي الوجدان الشعبي،
وصارت قصصه تُقرأ في الأردن وخارج الأردن،له اكثر من سبعين مؤلفا أدبيا ..
تم تسجيلهم وايداعهم فعليا في المكتبه الوطنية
وصار اسمه يرافق حكايته كما ترافق الروح الجسد.
وفي كل مرة يُسأل:
كيف بدأت؟
ينظر إلى زوجته ويقول ضاحكًا:
بدأت من سلة المهملات…
ومن قلبٍ نظيف كان يؤمن إنّي أقدر…
حتى لو أنا ما كنت أؤمن.
سالم حسن غنيم
أضف تعليق