مقدمة:لا تنهض أمة بلا جسدٍ متماسك، ولا يتحقق التماسك بلا روح تُغذّيه وترعاه. وفي الإسلام، تُعدّ روح التكافل الاجتماعي هي النبض الحي الذي يبثُّ القوة في أوصال الأمة، وهو الصمام الذي يعيد للقلوب دفئها، وللجماعات تماسكها، وللمجتمعات استقرارها.إنه ليس مجرد إحسانٍ وقتي، بل هو منظومة متكاملة تُنشئ مجتمعًا يليق برسالة خاتم الأنبياء، وتُؤسِّس لنهضة إنسانية…

Written by

×

المقال التاسع والخمسون من سلسلة نهضة الأمة””التكافل الاجتماعي… روح الإسلام، ومحرك النهضة”/بقلم المبدع د . عيد كامل حافظ النوقي


مقدمة:
لا تنهض أمة بلا جسدٍ متماسك، ولا يتحقق التماسك بلا روح تُغذّيه وترعاه. وفي الإسلام، تُعدّ روح التكافل الاجتماعي هي النبض الحي الذي يبثُّ القوة في أوصال الأمة، وهو الصمام الذي يعيد للقلوب دفئها، وللجماعات تماسكها، وللمجتمعات استقرارها.
إنه ليس مجرد إحسانٍ وقتي، بل هو منظومة متكاملة تُنشئ مجتمعًا يليق برسالة خاتم الأنبياء، وتُؤسِّس لنهضة إنسانية عادلة، تُعلي من قيمة الإنسان وتجعله محور البناء.


أولاً: معنى التكافل الاجتماعي في الإسلام:
التكافل في جوهره هو تعاونٌ متبادل، يلتزم فيه كل فرد تجاه أخيه بمسؤولية أخلاقية ودينية واجتماعية، ليصبح المجتمع كالجسد الواحد «إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى».
إنه تحويل الإيمان إلى عطاء، والعبادة إلى سلوك، والروح الدينية إلى حركة إصلاحية تُسهم في بناء مجتمع قويّ، نقيّ، قادر على النهوض الحضاري.


ثانيًا: جذور التكافل في القرآن ،والسنة:
ليست دعوة التكافل طارئة في الإسلام، بل هي جزء من بنية الوحي:
قال تعالى: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾، (الحشر: 9).
وقال سبحانه: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ (المائدة: 2).
وفي الحديث الشريف: «المسلم أخو المسلم، لا يظلمه ولا يخذله ولا يحقره…».
هذه النصوص وغيرها تبني ثقافةً إيمانية تجعل الإنسان مسؤولًا عن غيره، وتجعل المجتمع الإسلامي مجتمعًا رحيمًا، عادلًا، متوازي الحقوق، والواجبات.


ثالثًا: التكافل الاجتماعي ركيزة من ركائز نهضة الأمة:
لا يمكن لأي مشروع نهضوي أن ينجح في ظل مجتمع متفكك، أو طبقات مهمَّشة، أو فقراء لا يجدون قوت يومهم.
إن التكافل الاجتماعي يحفظ التوازن الداخلي الذي يحمي الأمة من الانهيار، ويمنحها القدرة على مواجهة التحديات.:

  1. يعالج الفقر ويمنع الانقسام الطبقي
    الفقر حين ينتشر يصبح عدواً داخلياً خطيراً؛ لا يُهزم بالسلاح، وإنما يُهزم بالعدالة والتكافل.
  2. يحرر الطاقات ويطلق الإبداع.
    حين يشعر الفرد بالأمان الاجتماعي، يكون أكثر قدرة على التعلم، والعطاء، والإبداع، والمشاركة الفاعلة.
  3. يعزز الوحدة الوطنية والمجتمعية:
    التكافل يصنع رابطة قلبية تجعل الناس يشعرون أنهم أسرة واحدة، ومصير واحد، وهدف واحد.
  4. يدعم الاستقرار السياسي والاقتصادي؛
    المجتمعات المتكافلة هي الأكثر استقرارًا، والأسرع نهضة، لأنها تُسقط مسببات الانفجار الاجتماعي.
    رابعًا: نماذج إسلامية مضيئة في التكافل
  5. تجربة المدينة المنوّرة:
    عندما آخى النبي ﷺ بين المهاجرين والأنصار، لم تكن مجرد أخوة لفظية، بل مشروعًا اجتماعيًا واقتصاديًا هائلًا، أنتج مجتمعًا قويًا قادرًا على تأسيس الدولة.
  6. مؤسسة الزكاة:
    ليست الزكاة عبادة مالية فقط، بل مؤسسة اقتصادية تُعيد التوازن، وتمنع التراكم غير العادل للثروة، وتكسر دوائر الفقر.
  7. الوقف الإسلامي:
    كان الوقف عبر التاريخ أكبر مورد للتعليم، والصحة، والبحث، والإغاثة، ورعاية المحتاجين… إنه نموذج حضاري متقدم سبق كل النظم المعاصرة.
    _________________^
    خامسًا: مظاهر التكافل المعاصر ودوره في بناء النهضة:
    صناديق الزكاة والصدقات. الجمعيات الخيرية الضخمة.
    المبادرات الشبابية والاجتماعية. منصات التمويل الجماعي.
    _برامج الدعم الأسري ،والتعليم المجاني.
    كلها أدوات حديثة تُعيد إحياء روح التكافل، لكن المطلوب هو تطويرها وتحويلها إلى استراتيجية وطنية تُوحِّد الجهود وتُحسن التوزيع.

سادسًا: التكافل الاجتماعي… محرك النهضة الحضارية:
إن النهضة ليست نهضة مصانع وجيوش فقط، بل هي قبل كل شيء نهضة قلوب وأخلاق وعدالة.
والتكافل الاجتماعي هو المحرّك السري الذي يجعل المجتمع يتحرك ككتلة واحدة نحو مستقبل أفضل.
حين تشعر الأرملة أن هناك من يرعاها…
واليتيم أن هناك من يضمن دراسته…
والمريض أن هناك من يداويه…
والشاب أن هناك من يفتح له باب الفرص…
عندها يتحول المجتمع كله إلى ورشة بناء حضارية لا تتوقف.
سابعًا: مسؤولية العلماء والدعاة والمؤسسات:
على العلماء والخطباء أن يربطوا بين التكافل والنهضة، وأن يوضحوا للناس أن العطاء ليس مستحبًا فقط، بل جزء من مشروع الأمة لبناء مستقبلها.
وعلى المؤسسات الخيرية، والرسالية أن تنتقل من دور الإغاثة الطارئة إلى التنمية المستدامة:
مشاريع صغيرة – تدريب – تعليم – قروض حسنة – دعم أسر منتجة.


ثامنًا: نحو مشروع إحياء التكافل في الأمة:
لإطلاق نهضة حقيقية مبنية على التكافل، نحتاج إلى:

  1. تشريع وطني يضمن عدالة توزيع الثروة.
  2. تفعيل مؤسسة الوقف بشكل معاصر.
  3. إطلاق منصات تكافل ذكية.
  4. توجيه الزكاة نحو الإنتاج لا الاستهلاك.
  5. تربية الأسرة والطفل على قيمة العطاء منذ الصغر.
  6. دور إعلامي ضخم يربط بين التكافل، والتنمية.

خاتمة:
التكافل الاجتماعي ليس مجرد قيمة، بل هو روح الإسلام ومحرك النهضة، وهو الطريق الذي يعيد للأمة إنسانيتها، ويجعلها قادرة على عبور أزماتها، واستعادة ريادتها، وبناء مستقبل يليق بها.
وحين تتكافل الأمة… تتماسك،
وحين تتماسك… تنهض،
وحين تنهض… تقود العالم من جديد.
اللهم فرج كرب أهلنا في غزة والسودان يارب العالمين،ووسع عليهم أرزاقهم يا كريم


دعوة تربية نهضة الأمة .
الدكتور عيد كامل حافظ النوقي.


أضف تعليق

تصميم موقع كهذا باستخدام ووردبريس.كوم
ابدأ