مدينة من ورقفي مدينة صغيرة تُدعى الرخاء،كان الناس يعيشون ببساطة…بيوت متواضعة،جيران يعرفون بعضهم بالأسماء،ووجوه يضيء فيها الرضا رغم الشحّ. لكن السنوات مرّت، وجاء جيل جديد…جيلٌ لم يعرف قيمة البساطة،ولا بركة القليل،ولا دفء القناعة. في منتصف المدينة كان يعيش رجل خمسيني اسمه عادل، موظف عادي بدخل محدود…لكنه، مثل كثيرين، كان يلاحق بريق “الحياة الجديدة”؛ملابس ماركات،مطاعم فاخرة،هاتف…

Written by

×

مدينة من ورق// بقلم المبدع سالم حسن غنيم

مدينة من ورق
في مدينة صغيرة تُدعى الرخاء،
كان الناس يعيشون ببساطة…
بيوت متواضعة،
جيران يعرفون بعضهم بالأسماء،
ووجوه يضيء فيها الرضا رغم الشحّ.

لكن السنوات مرّت، وجاء جيل جديد…
جيلٌ لم يعرف قيمة البساطة،
ولا بركة القليل،
ولا دفء القناعة.

في منتصف المدينة كان يعيش رجل خمسيني اسمه عادل، موظف عادي بدخل محدود…
لكنه، مثل كثيرين، كان يلاحق بريق “الحياة الجديدة”؛
ملابس ماركات،
مطاعم فاخرة،
هاتف يتبدل كل عام،
وسيارة تتغير كلما ظهر موديل أحدث.

لم يكن عادل غنيًا…
لكنه كان يحب أن يبدو غنيًا.

وفي يوم من الأيام جلس يراجع حساباته فوجد نفسه غارقًا في الديون رغم أنه يتقاضى راتبًا جيدًا.
نظر إلى نفسه بغضب،
وراح يلوم الحكومة،
والرواتب، والدنيا، والناس…
كل شيء إلا الشخص الوحيد الذي كان سبب المشكلة: هو نفسه.

في تلك اللحظة، دخل عليه والده العجوز، رجل عاش عمره بالقليل الكثير.
جلس مقابله وقال:

يا ابني…
مشكلتك مش الفقر.
مشكلتك إنك تعيش حياة مش إلك…
وتشتري رضى ناس ما بيسألوا عنك أصلًا.

ثم أشار إلى إحدى الفواتير على الطاولة:
هاد راتبك، صحيح؟
بتقبضه من هون… وبتعطيه كله هون…
وبتضل تقول الدنيا غالية.

هزّ عادل رأسه، كأنه يسمع الحقيقة لأول مرة.

تابع الأب:
زمان… كنا نكبر بالأولاد ونفرح فيهم.
اليوم الناس بتخاف تجيب طفل واحد.
زمان… كان الشاب يطيع أبوه وأمه.
اليوم الأب والأم بخافوا من ابنهم.
زمان… كنا نعيش على قدنا… ونحمد الله.
اليوم… أغلب الفقراء بدهم يبينوا أغنى من الأغنياء.

ثم أضاف مبتسمًا بمرارة:
نعيبُ زماننا والعيبُ فينا…
ما تغيّر الزمان يا ابني،
إحنا اللي تغيّرنا.

في اليوم التالي، قرر عادل أن يجرّب “العودة للوضع الطبيعي”.
أطفأ هاتفه الغالي، باع سيارته الكبيرة، اشترى واحدة صغيرة تليق بدخله،
عاد يشرب قهوته في بيته بدل المقاهي الفاخرة،
أخذ ابنه إلى الحلاق القديم
بدل الصالونات اللامعة،
وعاد إلى الخياط الشعبي الذي كان يخيط للمدينة كلها.

وفي الشهر التالي…
حدثت المفاجأة.

لم يتغير راتبه،
لم تُرفع الأسعار،
لم يحدث شيء في العالم…

لكن عادل شعر وكأنه صار يعيش للمرة الأولى.
نام مرتاحًا بلا ديون،
ضحك أطفاله في البيت،
وعاد قلبه يعرف الفرق بين “الأساسيات” و “الشكليات”.

وفي إحدى الأمسيات، قال لزوجته وهو يرتشف الشاي:

اكتشفت إنو المشكلة مش في الراتب…
المشكلة إنو احنا عايشين حياة بتصرف أكثر مما بتعطي.
ولما رجعت للبساطة…
رجعت البركة.

ابتسمت زوجته وقالت:
يعني رجعنا ايام زمان؟

هزّ رأسه:
لا…
الزمان ما راح.
إحنا اللي ضيّعناه.
سالم حسن غنيم

أضف تعليق

تصميم موقع كهذا باستخدام ووردبريس.كوم
ابدأ