حين كبرتُ يا أبي كنتُ أراقب يديك ترتجفان وأنت تحاول أن ترفع الملعقة إلى فمك،فهوت على صدرك،وتلوث قميصك الأبيض.غضبتُ في داخلي للحظة…لكن صوتك القديم، المبحوح من ذاكرة الطفولة، جاءني همسًا:تذكّر يا ولدي…كم مرة سقط طعامك على صدرك، فابتسمتُ ولم أغضب… نظرتُ إلى وجهك، يا أبي، وقد غزاه الشيب، وغطّت التجاعيد ملامحه كخريطة حياة طويلة. يومها،…

Written by

×

حين كبرت يا أبي//  بقلم المبدع سالم حسن غنيم

حين كبرتُ يا أبي

كنتُ أراقب يديك ترتجفان وأنت تحاول أن ترفع الملعقة إلى فمك،
فهوت على صدرك،
وتلوث قميصك الأبيض.
غضبتُ في داخلي للحظة…
لكن صوتك القديم، المبحوح من ذاكرة الطفولة، جاءني همسًا:
تذكّر يا ولدي…
كم مرة سقط طعامك على صدرك، فابتسمتُ ولم أغضب…

نظرتُ إلى وجهك، يا أبي، وقد غزاه الشيب، وغطّت التجاعيد ملامحه كخريطة حياة طويلة. يومها، تذكرتُ خطواتي الأولى، حين كنتُ أتعلق بأصابعك لأمشي،
وحين كنتَ تسندني كلما تعثرت.
والآن،
ها أنا أراك تتعثر، فأمددتُ لك يدي كما مددتَها لي قديمًا.

قلتَ لي بصوتٍ ضعيف:
لا تضحك إذا جهلتُ أمور زمانكم هذا…
كن لي عقلاً أستند إليه كما كنتُ لك عقلًا يومًا ما…

ابتسمتُ والدمعة تحرق عيني، وقلت في سرّي: كيف أضحك يا أبي؟
وأنت الذي علّمتني كيف أكتب،
كيف أتكلم،
كيف أكون رجلًا؟

حين طلبتَ منّي أن أمهلك وقتًا وصبرًا… شعرتُ أنني عاجز عن ردّ الجميل. فأنت الذي سهرت الليالي، غسلتني، أطعمْتني، جعلتني أنيقًا جميل الرائحة،
بينما الآن أنا الذي يجب أن أغسلك وألبسك…

اقتربتُ منك، وضعتُ يدي على كتفك، فابتسمت. ثم همستَ بصوتٍ مرتجف:
لا تملّ من بطء كلماتي…
ولا من ضعف ذاكرتي…
إن سعادتي اليوم أن أراك بقربي،
ولو في صمت…

يا أبي…
أتذكر حين كنتَ تحملني لأصل إلى حيث أريد؟
اليوم،
سأكون قدميك حين تخذلك قدماك. لن أستحي أن أمسك يدك أمام الناس،
بل سأفخر بذلك.
لأنني أعلم أن غدًا سيأتي من يأخذ بيدي كما أخذتَ بيدي يومًا.

ثم قلتَ لي بصوتٍ مبحوح كأنه رجاء أخير:
لا تحرمني صحبتك…
كنتُ معك حين ولدت،
فكن معي حين أموت…

يا أبي…
يا من كنتَ ضحكتي وأماني…
لن أتركك حتى آخر نفس في صدرك. سأغفر زلاتك،
كما غفرتَ لي طفولتي.
سأدعو لك في حياتك وبعد مماتك:
اللهم اغفر لأبي وأمي، وارحمهما كما ربياني صغيرًا.
سالم حسن غنيم
حكواتي الوجدان الشعبي

أضف تعليق

تصميم موقع كهذا باستخدام ووردبريس.كوم
ابدأ