“العقول ملكٌ لمن يملك الكلمة”قاسم الغراويكاتب وصحافي ليست هذه العبارة مجرد توصيف بلاغي بل خلاصة قرون من الصراع على الوعي الإنساني.فمنذ أن تحوّلت الكلمة من أداة تواصل إلى أداة تأثير أصبح امتلاكها صياغةً وتوجيهاً ونشراً نوعاً من السلطة الخفية التي قد تفوق في أثرها السلاح والمال. الإعلام اليوم لم يعد ناقلاً للخبر بقدر ما أصبح…

Written by

×

العقول ملكٌ لمن يملك الكلمة // بقلم المبدع الكاتب والصحفي المتميز قاسم الغراوي

“العقول ملكٌ لمن يملك الكلمة”
قاسم الغراوي
كاتب وصحافي

ليست هذه العبارة مجرد توصيف بلاغي بل خلاصة قرون من الصراع على الوعي الإنساني.
فمنذ أن تحوّلت الكلمة من أداة تواصل إلى أداة تأثير أصبح امتلاكها صياغةً وتوجيهاً ونشراً نوعاً من السلطة الخفية التي قد تفوق في أثرها السلاح والمال.

الإعلام اليوم لم يعد ناقلاً للخبر بقدر ما أصبح صانعاً له، ولم يعد مرآةً للواقع بل مهندساً لإدراكه ومن يملك أدوات الإعلام لا يحدد فقط ما نعرفه بل كيف نفهمه ومتى نغضب وعلى من ننحاز وهنا تكمن الخطورة فالتأثير لا يُمارَس عبر القسر بل عبر الإقناع التدريجي الذي يتسلل إلى العقول حتى يبدو وكأنه قناعة ذاتية.

تعتمد هذه الهيمنة على مجموعة من النظريات الإعلامية التي تُستخدم بوعي ودقة
فـ”نظرية ترتيب الأولويات” (Agenda Setting) تجعل الجمهور يعتقد أن ما يُعرض عليه هو الأهم بينما تُقصى قضايا أخرى إلى الظل .
واما ”نظرية الإطار الإعلامي” (Framing) تعيد تشكيل الحدث نفسه بطرق مختلفة بحيث يمكن للواقعة الواحدة أن تُقدَّم كـ”بطولة” أو “جريمة” بحسب زاوية المعالجة.
أما “نظرية الغرس الثقافي” (Cultivation) فتعمل ببطء، لكنها الأخطر، إذ تزرع تصورات طويلة الأمد عن الواقع، حتى يصبح الزيف مألوفاً والحقيقة غريبة.

ومن يملك هذه الأدوات لا يحتاج إلى فرض السيطرة بالقوة لأنه يتحكم في زاوية الرؤية ذاتها.
الجمهور يرى ما يُراد له أن يراه ويتبنى ما يُعاد عليه باستمرار ويشكك فيما يُحجب عنه ، وهنا تتحول المعركة من صراع على الأرض إلى صراع على الوعي، ومن مواجهة مباشرة إلى هندسة إدراكية معقدة.

إن خطورة هذا الواقع تتضاعف في زمن الإعلام الرقمي، حيث لم تعد الكلمة حكراً على المؤسسات الكبرى بل باتت الشبكات الاجتماعية ساحات مفتوحة للتأثير، لكن ذلك لا يعني زوال الهيمنة بل تغير شكلها.

فالخوارزميات اليوم تقوم بالدور الأخطر وهي تصنع لكل فرد “واقعاً خاصاً” يعزز قناعاته ويغلق عليه دائرة التفكير فيما يُعرف بـ”فقاعة المعلومات”.
وهكذا يُعاد تشكيل الوعي بشكل أكثر دقة وهدوءاً دون أن يشعر المتلقي بأنه موجَّه.

لكن امتلاك أدوات الإعلام وحده لا يكفي؛ فالتأثير الحقيقي يحتاج إلى فهم عميق للمحتوى والمضمون والأهداف ، فالكلمة الفارغة لا تصنع وعياً، بينما الكلمة المدروسة قادرة على إعادة تشكيل المجتمعات.
ولهذا فإن القوى التي تدير الإعلام الناجح لا تركز فقط على البث بل على بناء الرسائل واختيار التوقيت وتحليل الجمهور وصياغة الخطاب بما يتلاءم مع نفسيته وثقافته.

وفي المقابل فإن المجتمعات التي لا تمتلك وعياً إعلامياً تصبح عرضةً للتوجيه وقد تتحول إلى أدوات في صراعات لا تدرك أبعادها.
وهنا تبرز الحاجة إلى “المناعة الفكرية” التي لا تعني رفض الإعلام بل فهمه وتحليل رسائله والتمييز بين الخبر والرأي وبين الحقيقة والتلاعب.

لم تعد القوة فيمن يملك الحقيقة، بل فيمن يملك القدرة على تسويقها أو تشويهها. فالكلمة اليوم ليست مجرد وسيلة تعبير بل أداة سيطرة ومن يمتلكها بوعي يمتلك العقول قبل أن يمتلك الواقع.

أضف تعليق

تصميم موقع كهذا باستخدام ووردبريس.كوم
ابدأ