بوصلة الرّوح وبناء الحضارة: كيف حرّر القرآن العقل من الإمتثال لثقافة “الشرق والغرب”؟
رؤية د/إبراهيم حامد قطب
تتجاوز النصوص القرآنية بآياتها البليغة حدود التفسير السطحي المباشر، لتفتح آفاقاً رحبة من التدبر العميق والبحث المستنير الذي يستهدف استجلاء المقاصد الإلهية والغايات التشريعية الكامنة وراء الكلمات، فالآية في دلالتها اللغوية والروحية ليست مجرد نص يُتلى، بل هي علامة مرشدة وقاعدة شرعية وعملية صالحة لتقويم مسار الحياة الإنسانية بأكملها.
وعندما نتأمل بنظرة فاحصة واعية قوله سبحانه وتعالى:
“لَّيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَٰكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ……” الى اخر الآية.
نجد أن هذا النص يحمل مرونة تفسيرية مذهلة تتناغم مع كل زمان ومكان، وتجيب عن تساؤلات البسطاء التي قد تحصر البر فى جانب التقوى، وتختزل التوجه قبل المشرق والمغرب في مجرد الالتفات المادي نحو الجهات الجغرافية، ومن ثمّ فإن النقلة المعرفية التي تؤسسها الآية تنتقل بالمسلم من “شكلية التحيز المكاني” إلى “جوهر الامتثال السلوكي”، مما يعني أن القبلة فى سياق الآية ليست مجرد نقطة ارتكاز جغرافية للصلاة، بل هي رمز لوحدة الأمة وتوجيه بوصلتها الحضارية بأكملها من خلال تبنى الأفعال والسياسات والتوجهات الاقتصادية والتعليمية والصحية والاجتماعية…. التى تحقق المنافع والمصالح البشرية.
من هذا المنطلق الفلسفي، يكشف لنا القرآن الكريم زيف الإعتقاد بأن مصلحة الأمة أو (برّها) يكمن في استجداء رضا القوى الشرقية أو الغربية، أو ربط المقدرات والمواقف بالأهواء والتحالفات السياسية الدولية شرقا وغرباً، بل إن البر الحقيقي والنهضة الشاملة ينبعان من توجيه كافة هذه الجهود والأعمال بخالص النوايا نحو الله عز وجل، وجعل المصلحة العامة للأمة منسجمة مع رضاه سبحانه وتعالى.
ويلتقي هذا الفهم بعمق مع حقيقة الوجود التي يقررها القرآن في قوله: “فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ”، وهي دعوة صريحة للإنسان لكي يستشعر الرقابة الإلهية ويخلص في عمله أينما كان موقعه، سواء في معمل الأبحاث، أو في ردهات المستشفيات، أو فى قاعات المدارس والجامعات أو داخل البيوت أو فى الحقول والمزارع، كى تتحول كل حركة وسكنة إلى عبادة حية تسعى لنيل مرضاة الخالق سبحانه.
إن هذا التلازم البديع بين العمل والنية يكتمل في اللمسة الفلسفية المهيبة فى الآية التي تبين أن “كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ”، مما يعني صراحة أن كافة الأفعال والمشاريع والمنجزات التي لا تبتغي وجه الله، والتي تُبنى على أساس إرضاء المصالح الدنيوية الضيقة والمطامع الزائلة، أو إرضاء لقوى الشرق والغرب ستؤول في النهاية إلى فراغ ولن تُكتب في صحائف الأعمال الحقيقية للأمم؛ فالقوى المادية في الشرق أو الغرب لن تنفع الإنسان ولن تديم نهضته، ووحده العمل القائم على الحق والبر الخالص الموجه لله هو الذي يمتلك ديمومة البقاء ويحقق النفع الحقيقي في الدنيا والآخرة.
خاتمة:
في نهاية المطاف، يضعنا البيان القرآني أمام حقيقة كبرى تعيد صياغة وعينا الإنساني؛ فالحضارات لا تُبنى بـ “الالتفات” المادي إلى قِبلة الشرق أو الغرب، ولا بالارتهان لموازين القوى العابرة، بل بـ “الالتفات” القلبي والعملي إلى مركز الوجود والحق المطلق. إنها دعوة للتحرر من قيود الجغرافيا وضغوط السياسة، والتحليق في فضاء “البر الشامل” الذي يجعل من إتقان الطبيب في مشفاه، والباحث في معمله، والمزارع في حقله، صلاةً ممتدة لا تنقطع. وعندما تدرك الأمة أن كل مجد مادي لغير وجه الله هو سراب هالك لا محالة، ستكف عن التطلع إلى عواصم الأرض هرباً أو طمعاً، وتلتفت إلى صياغة نهضتها من نبع قوتها الذاتية الموصولة بالسماء؛ لتبقى بوصلتها متجهة دوماً نحو العطاء الباقي والأثر الذي لا يموت. ( والله تعالى أعلى وأعلم)
د/ إبراهيم حامد قطب
أضف تعليق