عندما يكون القائد أول المضحين
تتحول القيادة إلى قوة اجتماعية
قاسم الغراوي
في علم الاجتماع السياسي لا تُقاس قوة القيادة بحجم السلطات الدستورية التي تمتلكها ولا بما تفرضه أجهزة الدولة من نفوذ، بل بقدرتها على إنتاج الشرعية وتحويلها إلى طاقة اجتماعية قادرة على الصمود في أوقات الأزمات.
فالقيادات التي تكتفي بإدارة السلطة غالباً ما يتراجع تأثيرها بانتهاء موقعها الرسمي، أما القيادات التي تؤسس شرعيتها على التضحية والالتزام الأخلاقي فإن تأثيرها يمتد إلى ما بعد حضورها المادي ويتحول إلى جزء من الوعي الجمعي لمؤيديها.

ومن هذا المنطلق يمكن قراءة مشهد التفاف الملايين من الشعب الايراني حول جنازة السيد علي الخامنئي ووداعه من منظور أنصاره بوصفه ظاهرة سياسية واجتماعية تتجاوز إطار مراسم التشييع التقليدية.
فحجم الحضور الشعبي واستمرارية حالة التعبئة يعكسان – في هذا المنظور – تراكماً طويل الأمد لما يسميه عالم الاجتماع الألماني ماكس فيبر بالشرعية الكاريزمية؛ أي ذلك النوع من الشرعية الذي لا يستند إلى القوة المجردة أو الإجراءات القانونية وحدها وإنما إلى اقتناع قطاع واسع من المجتمع بأن القائد يجسد منظومة من القيم والمبادئ تستحق الالتفاف حولها.

أن التجربة الإيرانية كما نراها تتجاوز مفهوم الكاريزما الفردية بالمعنى التقليدي؛ إذ إن الشرعية لم تُبنَ على الصفات الشخصية وحدها، بل على صورة القائد الذي بقي حاضراً في قلب الصراعات الكبرى وتحمل تبعات خياراته السياسية، ولم يقدّم نفسه باعتباره منفصلاً عن الكلفة التي تحملها المجتمع والدولة.
ومن هنا تحولت التضحية إلى أحد أهم مصادر الشرعية السياسية، وأصبحت القيادة تُقاس بمدى استعدادها لتحمل الثمن قبل مطالبة المجتمع بتحمله.

وفي هذا السياق يبرز مفهوم رأس المال الرمزي الذي طوّره عالم الاجتماع الفرنسي بيير بورديو والذي يشير إلى الرصيد المعنوي المتراكم من الثقة والاحترام والشرعية داخل المجتمع. فهذا النوع من رأس المال لا يُشترى ولا يُفرض بالقوة، بل يُكتسب عبر سنوات من الاتساق بين الخطاب والممارسة.
وعندما يبلغ هذا الرصيد مستوى مرتفعاً، يصبح قادراً على تعبئة الجماهير حتى في غياب أي أدوات إلزام مادي لأن العلاقة بين القيادة والقاعدة الاجتماعية تتحول إلى علاقة هوية وانتماء لا مجرد علاقة سلطة وخضوع.

ولهذا فإن المشاهد الجماهيرية التي رافقت وداع السيد الخامنئي بوصفها تعبيراً عن هذا الرصيد الرمزي المتراكم أكثر من كونها استجابة ظرفية لحدث سياسي. فالقيادة التي تُنظر إليها على أنها قدمت التضحيات وشاركت مجتمعها كلفة المواجهة تكتسب شرعية تتجاوز المؤسسات وتصبح رمزاً سياسياً وثقافياً يستمر تأثيره حتى بعد رحيل صاحبه.

ومن زاوية أوسع تؤكد هذه الظاهرة حقيقة كثيراً ما تناولتها الأدبيات السياسية وهي أن المجتمعات تتماسك عندما تشعر بأن العلاقة بين القيادة والشعب قائمة على تقاسم الأعباء لا على توزيع الامتيازات.

فالقائد الذي يطلب من الناس التضحية بينما ينأى بنفسه عن نتائج قراراته يفقد تدريجياً شرعيته الأخلاقية مهما امتلك من أدوات القوة.
أما حين يكون القائد أول من يتحمل الكلفة، فإن التضحية تتحول إلى قيمة جماعية وتصبح القيادة مصدراً لإنتاج التماسك الاجتماعي لا مجرد أداة لإدارة الدولة.

ولعل هذا المعنى ينسجم مع وصف سماحة المرجع الديني الأعلى علي الحسيني السيستاني للشعب الايراني بـ”الأمة الشريفة”.
فشرف الأمم في أحد أبعاده السياسية لا يتجلى فقط في قدرتها على مقاومة التحديات، بل في حفاظها على منظومة القيم التي تجعل من الوفاء والإخلاص والتضحية أسساً للعلاقة بين القيادة والمجتمع.
وعندما تتأسس هذه العلاقة على الثقة المتبادلة تتحول إلى أحد أهم مصادر القوة الوطنية وهي قوة يصعب قياسها بالمؤشرات العسكرية أو الاقتصادية لكنها كثيراً ما تكون العامل الحاسم في قدرة الدول والمجتمعات على الصمود أمام الأزمات والتحولات الكبرى.

أضف تعليق

تصميم موقع كهذا باستخدام ووردبريس.كوم
ابدأ