حقائبُ الذاكرة.. قصص (ق.ق.ج)
​إضاءة:
“حين نكتب، لا نحفرُ في الورق، بل نحفرُ في جدارِ الوقت.. هذي أربعُ محطاتٍ من عمرِ الحرف، أربعُ محاولاتٍ لترميمِ ما كسرتهُ المسافات في أرواحنا، لعلَّ في شتاتِ الذاكرة ما يجمعنا.”
​بقلمي ✒️
أحمد مصطفى إبراهيم الهلالي
مصر


​١. المرآة

أهدته الساحرةُ مرآةً، وقالت له: “سترى فيها حقيقتك”. نظرَ الرجلُ، فلم يجد انعكاساً لوجهه، بل رأى طفلاً صغيراً يركض في حقول قريته المنسية. أدرك حينها أن كل ما جمعه من ثرواتٍ في الغربة كان قناعاً، وأن حقيقته ظلت هناك، عالقةً في ذلك الحقلِ، بانتظارِ عودته.

​٢. الموعد

كان رائد الفضاء يقيسُ المسافاتِ بالضوء، بينما كان ينتظرُ إشارةً من كوكبٍ ميتٍ منذ دهور. حين وصلت الرسالةُ أخيراً، لم تكن سوى كلمةٍ واحدةٍ بلغةٍ كونيةٍ قديمة: “لماذا تأخرت؟”. نظرَ إلى ساعتهِ الرملية، فوجدَ أنَّ آلاف السنين قد مرَّتْ عليهِ في رحلةِ انتظارٍ واحدة.

​٣. تركة

حين نُقِّبَ في دفاتره القديمة بعد رحيله، لم يجدوا ذهباً ولا صكوك ملكية؛ وجدوا فقط كومةً من الأوراق التي تحوي تواريخَ وأسماءً لأشخاصٍ لم يعرفوهم. في الصفحة الأخيرة، كتب بخطٍّ يرتجف: “هؤلاء مَن مسحتُ دمعهم حين كنتُ لا أملكُ غيرَ الابتسامة.. هذه هي ثروتي التي لا تَبور”.

​٤. ضريبةُ المسافة

عادَ الابنُ من غربتِه محملاً بالمعادنِ الثمينةِ والخرائط. جلسَ أمام أبيه يروي حكاياتِ الممالك، بينما كان الأبُ يحدقُ في الكرسيِّ المقابلِ الذي ظلَّ فارغاً لسنوات. حين انتهى الابنُ، أشارَ الأبُ بإصبعٍ مرتجفةٍ إلى الفراغِ وقال: «هذهِ هي المسافةُ التي لا تُقاسُ بالكيلومترات، بل بعددِ السنين التي لم نُصغِ فيها لنبضِ بعضنا».


​أحمد مصطفى إبراهيم الهلالي

أضف تعليق

تصميم موقع كهذا باستخدام ووردبريس.كوم
ابدأ