سلسلة:”ممالك إسلامية لها تاريخ مجيد”
المقال:”98″
“إمارة زاريا.. منارة الإسلام والعلم في قلب بلاد الهوسا”
بقلم/ الدكتور عيد كامل حافظ النوقي.
المقدمة;
تزخر القارة الإفريقية بممالك, وإمارات إسلامية أسهمت في بناء الحضارة الإنسانية، لكنها لم تنل حظها من الذكر في كثير من المؤلفات العربية, ومن هذه الإمارات العريقة إمارة زاريا، التي كانت إحدى أهم إمارات الهوسا في شمال نيجيريا، واشتهرت بقوتها العسكرية، ونشاطها التجاري، ورعايتها للعلم والعلماء، حتى أصبحت مركزًا مهمًا من مراكز الحضارة الإسلامية في غرب إفريقيا.
ولم تكن زاريا مجرد كيان سياسي، بل كانت نموذجًا لدولة جمعت بين الإدارة الرشيدة، والازدهار الاقتصادي، ونشر الإسلام، والاهتمام بالتعليم، مما جعلها تؤدي دورًا مؤثرًا في تاريخ المنطقة لعدة قرون.
أولًا: الموقع الجغرافي:
تقع زاريا في شمال جمهورية نيجيريا الحالية، في ولاية كادونا، وكانت إحدى الإمارات السبع الكبرى التي شكّلت بلاد الهوسا التاريخية، وتوسطت طرق التجارة القادمة من الصحراء الكبرى والمتجهة إلى أعماق إفريقيا.
وقد منحها هذا الموقع أهمية استراتيجية كبيرة، فكانت محطة رئيسة للقوافل التجارية ومركزًا لتبادل السلع والثقافات.
ثانيًا: نشأة الإمارة
يرجع تأسيس زاريا إلى القرن الحادي عشر الميلادي تقريبًا، وتُعرف في المصادر القديمة باسم زازاو (Zazzau)، بينما أصبح اسم زاريا شائعًا لاحقًا نسبة إلى الملكة زاريا التي ارتبط اسمها بتاريخ الإمارة.
ونشأت الإمارة ضمن اتحاد ممالك الهوسا، التي ضمت كانو، وكاتسينا، وغوبر، وداورا، ورانو، وبيرام، وغيرها.
ثالثًا: دخول الإسلام:
وصل الإسلام إلى زاريا تدريجيًا عبر التجار والدعاة القادمين من شمال إفريقيا ومن إمبراطورية مالي، ثم تعزز بقدوم العلماء، والفقهاء.
وبحلول القرن الخامس عشر الميلادي أصبح الإسلام الدين الغالب بين الطبقة الحاكمة، ثم انتشر بين عامة السكان، فانتشرت المساجد، وحلقات تحفيظ القرآن، والمدارس الشرعية.
رابعًا: النظام السياسي، والإداري:
اعتمدت الإمارة نظامًا ملكيًا، وكان الحاكم يحمل لقب السركي (Sarki)، ويعاونه مجلس من كبار القادة، والعلماء،والوزراء.
ومن أبرز ملامح الإدارة:
١)تنظيم الولايات التابعة للإمارة.
٢)تعيين القضاة للفصل بين الناس وفق الشريعة الإسلامية.
٣)إدارة بيت المال.
٤)تنظيم الأسواق،والضرائب.
٥)حماية طرق التجارة.
خامسًا: أشهر حكام زاريا:١
١) الملكة أمينة (القرن السادس عشر):
تعد أشهر شخصية في تاريخ زاريا، بل من أعظم القادة العسكريين في إفريقيا.
وقد اشتهرت بـ:
توسيع حدود الإمارة إلى مساحات واسعة.
بناء الأسوار الدفاعية التي عرفت باسم أسوار أمينة.
تأمين طرق التجارة.
تشجيع العمران.
دعم ازدهار الأسواق.
ولا تزال سيرتها تمثل رمزًا للقوة والإدارة الحكيمة في التراث الإفريقي.
٢) سلاطين زازاو بعد الملكة أمينة:
واصل الحكام من بعدها دعم التجارة، والعلم، وحافظوا على مكانة الإمارة حتى مطلع القرن التاسع عشر.
سادسًا: الحياة العلمية:
شهدت زاريا نهضة علمية واضحة، فانتشرت:
الكتاتيب.
مدارس القرآن.
حلقات الفقه المالكي.
تعليم اللغة العربية.
تدريس الحديث والتفسير.
وكان العلماء يحظون بمكانة رفيعة لدى الحكام، وأسهموا في نشر الإسلام بين القبائل المجاورة.
سابعًا: الاقتصاد:
ازدهر اقتصاد الإمارة اعتمادًا على:
الزراعة.
تربية الماشية.
تجارة الملح.
تجارة الجلود.
المنسوجات.
الصناعات اليدوية.
تجارة الذهب والعاج.
القوافل العابرة للصحراء.
وقد أصبحت زاريا واحدة من أغنى مدن الهوسا في عصرها.
ثامنًا: القوة العسكرية:
امتلكت زاريا جيشًا منظمًا، واعتمد على:
الفرسان.
المشاة.
الرماة.
التحصينات الدفاعية.
وكان الجيش يحمي طرق التجارة ويؤمن حدود الإمارة ضد الغزوات.
تاسعًا: العلاقة مع الدول الإسلامية
ارتبطت زاريا بعلاقات سياسية وتجارية مع:
إمبراطورية مالي.
إمبراطورية صنغاي.
كانو.
كاتسينا.
برنو.
كما استقبلت العلماء والتجار القادمين من شمال إفريقيا.
عاشرًا: ضمها إلى دولة الخلافة في سوكوتو؛
في أوائل القرن التاسع عشر، قاد العالم المجدد عثمان بن فودي حركة إصلاحية كبرى في بلاد الهوسا، وانضمت زاريا إلى دولة الخلافة في سوكوتو بعد الجهاد الإصلاحي الذي بدأ سنة 1804م، وأصبحت إحدى إماراتها، مع احتفاظها بمكانتها الإدارية المحلية.
الحادي عشر: أبرز الآثار:
من أشهر معالمها:
أسوار زاريا التاريخية.
بقايا القصور القديمة.
المساجد التاريخية.
الأسواق التقليدية.
المخطوطات الإسلامية.
ولا تزال المدينة تحتفظ بجانب من تراثها الحضاري حتى اليوم.
الثاني عشر: أسباب ازدهار الإمارة:
الموقع التجاري المتميز.
حسن الإدارة.
انتشار الإسلام.
رعاية العلماء.
الأمن الداخلي.
قوة الجيش.
ازدهار التجارة.
الثالث عشر: أسباب تراجعها:
١)الصراعات بين ممالك الهوسا.
٢)النزاعات الداخلية.
٣)تغير طرق التجارة.
٤)انتقال السلطة إلى دولة سوكوتو.
٥)ثم وقوع المنطقة لاحقًا تحت الاستعمار البريطاني في مطلع القرن العشرين.
الرابع عشر :الدروس الحضارية:
إن تجربة زاريا تؤكد أن الحضارة لا تقوم على القوة العسكرية وحدها، بل على العلم والعدل، والإدارة الرشيدة، وأن ازدهار الدول مرتبط بإحياء المعرفة وتأمين طرق التجارة، وبناء الإنسان قبل العمران.
كما تكشف أن الإسلام كان عاملًا رئيسًا في توحيد المجتمعات الإفريقية، ونشر التعليم، وإقامة مؤسسات القضاء، والإدارة، وهو ما جعل إمارات الهوسا من أكثر مناطق إفريقيا استقرارًا وازدهارًا في عصورها الزاهرة.
الخاتمة:
ستبقى إمارة زاريا صفحة مشرقة من صفحات التاريخ الإسلامي في إفريقيا، فقد جمعت بين قوة الدولة، ورعاية العلم، وازدهار الاقتصاد، وأسهمت في نشر الإسلام وترسيخ قيم الحضارة في بلاد الهوسا. وإحياء سيرتها هو إحياء لذاكرة أمة صنعت مجدًا حضاريًا يستحق أن يُعرَّف به للأجيال.
المراجع:
١)عبد الله بات، تاريخ الإسلام في غرب إفريقيا.
٢)نعيم قاسم، الإسلام في إفريقيا جنوب الصحراء.
٣)M. G. Smith, Government in Zazzau.
٤)Michael Crowder, The Story of Nigeria.
٥)Murray Last, The Sokoto Caliphate.
٦)H. R. Palmer, The Bornu Sahara and Sudan.
٧)Nehemia Levtzion & J. F. P. Hopkins, Corpus of Early Arabic Sources for West African History.
أضف تعليق