سلسلة: ممالك إسلامية لها تاريخ مجيد
المقال “99”
إمارة دَمَت (دَموت) الإسلامية.. حصن الإسلام في الهضبة الحبشية”
بقلم/الدكتور عيد كامل حافظ النوقي.
المقدمة :
لم يكن انتشار الإسلام في القرن الإفريقي مقتصرًا على السواحل، والموانئ، بل امتد إلى أعماق الهضبة الحبشية، حيث نشأت إمارات، وممالك إسلامية لعبت دورًا بارزًا في نشر الدين، وبناء الحضارة، ومقاومة التوسع الحبشي. ومن أبرز هذه الإمارات إمارة دَمَت (أو دَموت) التي كانت إحدى الإمارات الإسلامية المهمة في جنوب غربي الهضبة الإثيوبية، وشكلت مع غيرها من الإمارات الإسلامية جدارًا حضاريًا حافظ على الهوية الإسلامية لقرون طويلة.
أولًا: موقع الإمارة:
قامت إمارة دمت في المنطقة الواقعة جنوب غربي الهضبة الإثيوبية، في الأراضي الممتدة بين أقاليم كافا وولَّجا وبعض المناطق المتاخمة لنهر أومو، وكانت تتحكم في طرق التجارة الداخلية المؤدية إلى البحر الأحمر ،وإلى داخل إفريقيا.
وقد منحها موقعها أهمية اقتصادية واستراتيجية كبيرة، وجعلها حلقة وصل بين الممالك الإسلامية في الشرق الإفريقي والداخل الإفريقي.
ثانيًا: نشأة الإمارة:
يرجع ظهور الإمارة الإسلامية في دمت إلى القرنين الثالث عشر ،والرابع عشر الميلاديين، عندما انتشر الإسلام على أيدي التجار ،والعلماء ،والدعاة القادمين من زيلع ،وهرر، وعدن، واليمن.
ومع تزايد أعداد المسلمين تشكلت إمارة مستقلة يقودها أمراء مسلمون، اعتمدوا على الشريعة الإسلامية في الحكم، وربطوا بين الدعوة ،والتجارة، والتعليم.
ثالثًا: نظام الحكم:
اعتمدت الإمارة على نظام الإمارة الإسلامية، وكان الأمير هو القائد السياسي والعسكري، يعاونه العلماء والقضاة وأهل الشورى.
ومن أبرز معالم النظام:
١)تطبيق القضاء الشرعي.
٢)إنشاء المساجد والمدارس القرآنية.
٣)حماية طرق التجارة.
٤)تنظيم الزكاة والصدقات.
٥)عقد التحالفات مع الإمارات الإسلامية المجاورة.
رابعًا: الحياة العلمية:
ازدهرت الحركة العلمية في الإمارة، فانتشرت:
الكتاتيب.
حلقات تحفيظ القرآن.
تدريس الفقه الشافعي.
علوم اللغة العربية.
الحديث والتفسير.
وكان العلماء يتنقلون بين دمت، وهرر، وزيلع ،وعدن، مما أسهم في تكوين شبكة علمية إسلامية واسعة.
خامسًا: الاقتصاد:
اعتمد اقتصاد الإمارة على:
الزراعة.
تربية الماشية.
تجارة البن والعسل.
تجارة الذهب والعاج.
الصناعات اليدوية.
القوافل التجارية.
وأصبحت دمت محطة مهمة في التجارة بين داخل إفريقيا وسواحل البحر الأحمر.
سادسًا: علاقتها بالإمارات الإسلامية:
أقامت الإمارة علاقات وثيقة مع:
سلطنة عدل.
إمارة هرر.
سلطنة أوفات.
إمارات بالي ودوارو وغيرها.
وقد تعاونت هذه الإمارات في مواجهة الضغوط العسكرية القادمة من الممالك الحبشية.
سابعًا: الصراع مع الدولة الحبشية:
تعرضت الإمارة لسلسلة من الحملات العسكرية التي شنها ملوك الحبشة بهدف إخضاع الإمارات الإسلامية.
ورغم المقاومة الشديدة التي أبداها أهل دمت، فإن الحروب المتواصلة أضعفت الإمارة تدريجيًا، خاصة مع تراجع القوة السياسية للإمارات الإسلامية في المنطقة.
ثامنًا: أسباب الضعف:
من أهم أسباب تراجع الإمارة:
١)الانقسامات بين الإمارات الإسلامية.
٢)الحروب المستمرة مع الممالك الحبشية.
٣)ضعف الموارد العسكرية.
٤)تحول طرق التجارة.
٥)تراجع الدعم الخارجي.
تاسعًا: نهاية الإمارة:
بحلول القرن السادس عشر الميلادي، فقدت الإمارة استقلالها السياسي، ودخلت تدريجيًا تحت نفوذ القوى الإقليمية، ثم اندمجت في الكيانات السياسية التي تعاقبت على المنطقة، إلا أن الإسلام بقي راسخًا بين سكانها، واستمرت المساجد والمدارس في أداء رسالتها.
عاشرًا: الدروس المستفادة:
إن تجربة إمارة دمت تؤكد أن انتشار الإسلام في إفريقيا لم يكن بالسيف وحده، بل كان ثمرة جهود العلماء،والتجار، والدعاة، وأن بناء الحضارة يبدأ بالعلم والعدل ووحدة الصف، كما أن التفرق بين الإمارات كان سببًا في ضعفها أمام خصومها.
لقد تركت دمت أثرًا حضاريًا، ودينيًا لا يزال حاضرًا في ذاكرة المسلمين في القرن الإفريقي، وتشهد على مرحلة مهمة من تاريخ الإسلام في تلك المنطقة.
الخاتمة:
رغم أن إمارة دمت ليست من الإمارات الإسلامية المشهورة في كتب التاريخ العامة، فإنها كانت إحدى اللبنات المهمة في بناء الحضارة الإسلامية في الهضبة الحبشية،وقد أسهمت في نشر الإسلام، ورعاية العلم، وتنشيط التجارة، وربط المجتمعات الإسلامية بعضها ببعض. ويستحق تاريخها مزيدًا من البحث، والدراسة، ليأخذ مكانه اللائق ضمن تاريخ الممالك الإسلامية في إفريقيا.
المراجع:
١)حسين مؤنس، أطلس تاريخ الإسلام.
٢)محمد مختار الشنقيطي، إفريقيا في التاريخ الإسلامي.
٣)أحمد إلياس حسين، الإسلام والثقافة العربية في إثيوبيا.
٤)J. Spencer Trimingham, Islam in Ethiopia.
٥)E. A. Wallis Budge, A History of Ethiopia.
٦)Richard Pankhurst, The Ethiopian Borderlands.

أضف تعليق

تصميم موقع كهذا باستخدام ووردبريس.كوم
ابدأ